يقرأ المسلم سورة الفاتحة في كل ركعة من صلاته، سبع عشرة مرة في اليوم على الأقل. هي سبع آيات فقط، يحفظها أكثرنا منذ الصغر، لكنها مرتّبة كحوار، وطلبها الأخير يأتيه جوابٌ قد يفوتنا.
ما يسمّيها به القرآن
يذكر القرآنُ الفاتحةَ في نفسه.
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ
فما هذه السبع المثاني؟ أجاب النبي ﷺ عن ذلك بنفسه، إذ قال لأبي سعيد بن المعلّى إنه سيعلّمه أعظم سورة في القرآن قبل أن يخرج من المسجد، فلما همّ بالخروج ذكّره أبو سعيد بوعده، فقال:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ
سبع آيات تتكرر في كل صلاة، وهي أعظم سورة في القرآن.
قسمان
قسمها الله بينه وبين عبده.
وفي الحديث القدسي تُسمّى الفاتحة «الصلاة»:
قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ
ثم يمضي الحديث آيةً آية: إذا قال العبد ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال الله: «حمدني عبدي»، وإذا قال ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال: «أثنى عليّ عبدي»، وإذا قال ﴿مالك يوم الدين﴾ قال: «مجّدني عبدي».
البسملة
- بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
لله
- ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ
- ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
- مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ
«هذا بيني وبين عبدي»
- إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ
«هذا لعبدي»
- ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ
- صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ
يبدأ التقسيم في الحديث من ﴿الحمد لله﴾: ثلاث آيات لله، وآية بينه وبين عبده، وآيتان للعبد.
نقطة التحوّل
إلى هنا نتحدث عنه. والآن نتحدث إليه.
تصف الآيات الأولى الله بصيغة الغائب: رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين. ثم يتغيّر الخطاب في الآية الخامسة، فننتقل من الحديث عنه إلى مخاطبته مباشرة:
إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ
تقدّم ﴿إيّاك﴾ على الفعل وتكرّر، وفي ذلك معنى الحصر: إيّاك وحدك لا غيرك. وعن هذه الآية يقول الله: «هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل».
الطلب
ونسأله شيئًا واحدًا.
ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ
لا نسأله مالًا ولا صحةً ولا نجاحًا، بل الهداية. فيقول الله: «هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل».
فأين الجواب؟
اقلب الصفحة
تبدأ الصفحة التالية بالجذر نفسه.
في المصحف المطبوع المعتاد تنفرد الفاتحة بالصفحة الأولى، وتبدأ سورة البقرة في الصفحة الثانية:
ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ
الصفحة ١ · الفاتحة
ٱهۡدِنَا
الطلب
الجذر نفسه
الصفحة ٢ · البقرة
هُدٗى
الجواب
﴿اهدنا﴾ و﴿هدى﴾ من جذر واحد: ه د ي. سألنا الله أن يهدينا، فكان أول ما وصف به الكتابُ نفسَه أنه هدى. وقد نبّه البقاعي (ت ٨٨٥هـ) في «نظم الدرر» إلى هذه المناسبة: طلب العبد الهداية، فجاءه الجواب بالكتاب نفسه.
صراط الذين أنعمت عليهم
سألنا صراط الذين أنعم الله عليهم، وبعد ثلاث آيات يأتي وصفهم.
تُختم الفاتحة بطلب ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾، ثم تصف سورة البقرة في الآيتين ٣ و٤ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقهم الله ينفقون، ثم تقول:
أُوْلَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ
الكلمة نفسها مرة أخرى: ﴿هدى﴾. فالذين أنعم الله عليهم هم الذين نالوا الهداية.
الكتاب كلّه
طلبٌ واحد في كل صلاة، وبقية الكتاب هي الجواب.
حين تقرأ الفاتحة في المرة القادمة، في الصلاة أو خارجها، قف عند ﴿اهدنا﴾. لست تردّد كلمات محفوظة، بل تسأل شيئًا واحدًا، وقد وُعدت أن لك ما سألت. والجواب يبدأ في الصفحة التالية.