تُروى قصة يوسف عليه السلام في القرآن في سورة واحدة من أولها إلى آخرها، ولا يصدق ذلك على قصة نبيّ غيره؛ فقصص موسى وإبراهيم ونوح جاءت متفرّقة في مواضع كثيرة. أما قصة يوسف فجاءت جملةً واحدة، مبنيّة كعمل فنّي متقن.
أحسن القصص
يقدّمها القرآن بنفسه: أحسن القصص.
نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ
الرؤيا وتأويلها
المشهد الأول رؤيا، والأخير تحقّقها.
غلام يخبر أباه أنه رأى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر له ساجدين. وبعد سنين ومحن كثيرة، بعد الجبّ والرقّ والسجن، يجلس يوسف على العرش في مصر، ويأتيه أبواه وإخوته الأحد عشر:
البداية
إِذۡ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ إِنِّي رَأَيۡتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوۡكَبٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ رَأَيۡتُهُمۡ لِي سَٰجِدِينَ
يوسف ٤
النهاية
وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ
يوسف ١٠٠
الكواكب الأحد عشر إخوته، والشمس والقمر أبواه. ما رآه الغلام في أول القصة يقع في آخرها، ويقولها هو بنفسه: ﴿هذا تأويل رؤياي من قبل﴾.
وعدٌ وشكر
الأب يبشّر في البداية، والابن يشكر في النهاية بالكلمات نفسها.
حين يسمع يعقوب الرؤيا يخبر ابنه بما سيفعله الله له، وفي آخر القصة يدعو يوسف ربه بالكلمات ذاتها:
يعقوب في البداية
وَكَذَٰلِكَ يَجۡتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعۡقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيۡكَ مِن قَبۡلُ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ
يوسف ٦
يوسف في النهاية
رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّـٰلِحِينَ
يوسف ١٠١
﴿ويعلّمك من تأويل الأحاديث﴾ في البداية، و﴿وعلّمتني من تأويل الأحاديث﴾ في النهاية؛ فالبشارة تصير دعاءً وشكرًا. وكلام يعقوب في البداية يُختم باسمين من أسماء الله: ﴿عليم حكيم﴾، وبهما يُختم كلامه في حزنه (٨٣)، وكلام يوسف حين اجتمع شمل الأسرة (١٠٠).
ثلاثة قمصان
قميص يكذب، وقميص يصدق، وقميص يشفي.
في ثلاثة مواضع من القصة يدور كل شيء حول قميص يوسف:
الكذب
وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٖ كَذِبٖۚ قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٞۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ
يوسف ١٨
الصدق
فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيۡدِكُنَّۖ إِنَّ كَيۡدَكُنَّ عَظِيمٞ
يوسف ٢٨
الشفاء
ٱذۡهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلۡقُوهُ عَلَىٰ وَجۡهِ أَبِي يَأۡتِ بَصِيرٗا وَأۡتُونِي بِأَهۡلِكُمۡ أَجۡمَعِينَ
يوسف ٩٣
بالقميص الأول كذب الإخوة على أبيهم، والثاني المقدود من دُبر برّأ يوسف حين اتهمته امرأة العزيز، إذ كان هاربًا لا معتديًا، والثالث أُرسل من مصر فردّ على أبيه بصره.
فصبرٌ جميل
يقول يعقوب الجملة نفسها مرتين، فتصدق.
حين رجع الإخوة بلا يوسف، ثم بعد سنين حين رجعوا بلا أخيهم الأصغر، أجاب يعقوب بالكلمات ذاتها: ﴿فصبر جميل﴾.
فقد الابن الثاني
قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ
يوسف ٨٣
عودة البصر
فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلۡبَشِيرُ أَلۡقَىٰهُ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ فَٱرۡتَدَّ بَصِيرٗاۖ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ
يوسف ٩٦
بكى حتى ابيضّت عيناه من الحزن، لكنه لم يقطع الرجاء: ﴿عسى الله أن يأتيني بهم جميعا﴾، فأتاه الله بهم جميعًا.
قصة تكتمل
النهاية تجيب البداية، ولم يضع في القصة شيء.
الرؤيا وتأويلها، ووعد الأب وشكر الابن، وثلاثة قمصان، والصبر الجميل مرتين. قصة يوسف مليئة بالألم والخيانة وسنين تبدو ضائعة، لكنها حين تنتهي يتبيّن أن لكل مشهد موضعه: ﴿إن ربي لطيف لما يشاء﴾. ولعلّ هذا ما جعلها أحسن القصص.