→ كل المقالات

أولُ كلمة نزلت: «اقرأ»

أول ما نزل من القرآن أمرٌ بالقراءة، لرجل لا يقرأ ولا يكتب. وفي الآيات الخمس الأولى ذِكرُ القلم.

ٱقۡرَأۡ

أول ما نزل

كان النبي ﷺ قبل البعثة يخلو بغار حراء في جبل فوق مكة، يتعبّد فيه الليالي ذوات العدد. وهناك جاءه جبريل، وكانت أول كلمة قالها ليست «آمِن» ولا «صلِّ»، بل: ﴿اقرأ﴾.

في الغار

«اقرأ». «ما أنا بقارئ».

روت عائشة رضي الله عنها ما وصفه النبي ﷺ بنفسه:

فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ اقْرَأْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي. فَقَالَ اقْرَأْ. قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيِةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي. فَقَالَ اقْرَأْ. قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي. فَقَالَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. الآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ

صحيح البخاري ٤٩٥٣

ثم رجع بها رسول الله ﷺ إلى خديجة يرجف فؤاده يقول: «زمّلوني، زمّلوني».

خمس آيات

«اقرأ» مرتين، و«علّم» مرتين، و«الإنسان» مرتين.

ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ

العلق ١

خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ

العلق ٢

ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ

العلق ٣

ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ

العلق ٤

عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ

العلق ٥

بُنيت هذه الآيات الخمس على أزواج: ﴿اقرأ﴾ في الأولى والثالثة، و﴿الإنسان﴾ في الثانية والخامسة؛ يُخلق أولًا ثم يُعلَّم، و﴿علّم﴾ في الرابعة والخامسة. فالخلق والعلم مذكوران جنبًا إلى جنب كنعمتين من جنس واحد، كما في أول سورة الرحمن: ﴿خلق الإنسان ۝ علّمه البيان﴾.

القراءة والقرآن

أول كلمة أعطت الكتابَ اسمه.

﴿اقرأ﴾ و﴿القرآن﴾ من جذر واحد: ق ر أ. والقراءة تكون من صحيفة وتكون تلاوةً عن ظهر قلب، والقرآن هو المقروء المتلوّ. فسُمّي الكتاب بأول أمر نزل فيه.

القلم

لرجل لا يكتب يُذكر القلم قبل كل شيء.

كان النبي ﷺ أمّيًّا لا يقرأ ولا يكتب، والقرآن نفسه يقول ذلك:

وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ

العنكبوت 48

ومع ذلك جاء القلم في رابع آية نزلت: ﴿الذي علّم بالقلم﴾. فقد حُفظ القرآن في الصدور وتُلي، وكُتب أيضًا كلما نزل. وصارت أمة قلّ فيها الكتّاب، في بضعة قرون، من أعظم أمم الكتاب والعلم في العالم.

أولٌ وليس في الأول

أول ما نزل هو السورة السادسة والتسعون.

في المصحف كما يُقرأ اليوم تقع هذه الآيات الخمس قرب آخره، في أول السورة ٩٦ من ١١٤؛ فترتيب السور في المصحف ليس على ترتيب النزول. يبدأ الكتاب بالفاتحة، الدعاء، وأول ما نزل من السماء كان الأمر بالقراءة. فكل من يفتح المصحف ويبدأ القراءة يمتثل، على نحوٍ ما، أول كلمة فيه.