آية الكرسي، الآية الخامسة والخمسون بعد المئتين من سورة البقرة، لعلّها أكثر آية يحفظها المسلمون بعد الفاتحة؛ تُقرأ بعد الصلوات، وعند النوم، وعند طلب الحفظ. هي آية طويلة من تسع جمل، لكن جملها لم تُرصف كيفما اتفق، بل بُنيت الآية كالحلقة.
أعظم آية
سأل النبي ﷺ: أيّ آية أعظم؟
روى أُبيّ بن كعب، وكان من أقرأ الصحابة، أن النبي ﷺ سأله عن أعظم آية في كتاب الله:
يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَىُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ قَالَ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَىُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ قَالَ قُلْتُ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ
تسع جمل وحلقة واحدة
الجملة الأولى تقابل الأخيرة، والثانية تقابل ما قبل الأخيرة.
في المصحف علامات وقف صغيرة فوق السطر تبيّن مواضع الوقوف في التلاوة، وهي تقسم آية الكرسي إلى تسع جمل. فإذا وُضعت الجمل بعضها تحت بعض ظهر نسق: الأولى والتاسعة في معنى واحد، وكذلك الثانية والثامنة، والثالثة والسابعة، والرابعة والسادسة، وتبقى الخامسة وحدها في الوسط.
- Aٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ
- Bلَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞ
- Cلَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ
- Dمَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦ
- Eيَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ
- D′وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ
- C′وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ
- B′وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَا
- A′وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ
- A · A′ أسماؤه
- B · B′ لا يعتريه تعب
- C · C′ السماوات والأرض
- D · D′ إلا بإذنه ومشيئته
- E علمه
هذا البناء الذي يتقابل فيه النص حول مركزه يُسمّى البناء الحلقي، وهو معروف في نصوص قديمة كثيرة، وقد بيّن دارسو بناء القرآن، ومنهم ريموند فارِن، كثرة وروده فيه. لكن لا حاجة هنا إلى نظرية؛ يكفي أن تُقرأ الجمل معًا، اثنتين اثنتين.
أ · من هو
تبدأ الآية وتنتهي بأسمائه.
A ١
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ
A′ ٩
وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ
اسمان في أولها واسمان في آخرها: ﴿الحي القيوم﴾ و﴿العلي العظيم﴾، وكل ما بينهما محاط بمن هو سبحانه.
ب · لا يعتريه تعب
لا ينام، ولا يثقله حفظ كل شيء.
B ٢
لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞ
B′ ٨
وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَا
الجملتان تنفيان أمرًا واحدًا: الضعف. السِّنة والنوم في الثانية، والإعياء في الثامنة. فما تحتاجه كل نفس حيّة لا يحتاجه هو.
ج · السماوات والأرض
أولًا لمن هي، ثم ما الذي يسعها.
C ٣
لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ
C′ ٧
وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ
هذان هما الموضعان الوحيدان في الآية اللذان تُذكر فيهما السماوات والأرض، كلٌّ منهما على جانب من الوسط: في الثالثة الملك، وفي السابعة السعة؛ فكرسيّه، الذي سُمّيت به الآية، وسع السماوات والأرض.
د · استثناءان
مرّتين تقول الآية: «إلّا».
D ٤
مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦ
D′ ٦
وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ
الجملتان على نسق واحد: نفيٌ ثم استثناء. لا يشفع أحد إلا بإذنه، ولا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء. وسوى «إلّا» في كلمة التوحيد في أول الآية، هذان هما الاستثناءان الوحيدان فيها، وهما على جانبي الوسط.
هـ · الوسط
في قلب أعظم آية ليست القدرة، بل علمه بنا.
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ
﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾: ما هو آتٍ وما مضى. وعلى هذه الجملة تدور الآية كلها؛ فالأسماء، ونفي النوم، والسماوات، والاستثناءان، كلها مصفوفة حول أنه يعلمنا علمًا تامًّا، ونحن لا نعلم منه إلا ما أعطانا.
عند النوم
في الليل نقرأ الآية عن الذي لا ينام.
كان أبو هريرة يحرس زكاة رمضان، فأمسك بسارق ثلاث ليالٍ متتالية، وفي الليلة الثالثة عرض عليه السارق أن يعلّمه كلمات ينفعه الله بها:
إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلاَ يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ
فلما أخبر النبيَّ ﷺ قال: «أما إنه قد صدقك وهو كذوب… ذاك شيطان».
والكلمة في الحديث «حافظ»، وهي من الجذر نفسه، ح ف ظ، الذي جاءت منه ﴿حفظهما﴾ في الجملة الثامنة: لا يؤوده حفظ السماوات والأرض. فالذي يحفظ العالم كله بلا تعب يحفظ أيضًا من ينام.